ابن قيم الجوزية
129
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
يفهم كذلك : أنت تنادى من مكان بعيد ، قال : وجاء في التفسير : كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون . انتهى . والمعنى : أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم . وأما البكم فقال تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ والبكم جمع أبكم ، وهو الذي لا ينطق . والبكم نوعان . بكم القلب وبكم اللسان ، كما أن النطق نطقان : نطق القلب ونطق اللسان . وأشدهما : بكم القلب ، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم الأذن . فوصفهم اللّه سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق ، ولا تنطق به ألسنتهم . والعلم يدخل من ثلاثة أبواب : من سمعه ، وبصره ، وقلبه . وقد سدت عليهم هذه الأبواب الثلاثة ، فسد السمع بالصمم ، والبصر بالعمى ، والقلب بالبكم . ونظيره قوله تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها وقد جمع اللّه سبحانه بين الثلاثة في قوله : 46 : 26 وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً . فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ ، إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ فإذا أراد سبحانه هداية عبد فتح قلبه وسمعه وبصره . وإذا أراد ضلاله أصمه وأعماه وأبكمه وباللّه التوفيق . 2 : 19 أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ، فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ، يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ . الصيب : المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة ، وهو مثل للقرآن الذي به حياة القلوب ، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات